أسماء كامل تكتب : الذكاء الاصطناعي يسبقنا إلى أبنائنا… وتهديد خفيّ بالاستغناء الهادئ عن الأهل.
لم تعد مخاوف التربية اليوم مقتصرة على الشارع أو المدرسة أو الأصدقاء، بل امتدت إلى ما هو أقرب من ذلك بكثير… إلى الهاتف المحمول، والشاشة الصغيرة التي تسكن جيب الطفل أو غرفته، وتفتح له عالماً كاملاً بلا أبواب ولا حواجز.
أكبر مخاوف كثير من الآباء اليوم هو أن تصبح السوشيال ميديا والذكاء الاصطناعي المصدر الأول لمعلومة الطفل، وسؤاله، وفضوله، بدلاً من أن يكون الأب أو الأم.
أن يبحث الطفل عن إجابة في محرك بحث، أو يسأل تطبيق ذكاء اصطناعي، ولا يخطر بباله أن يسأل: ماما أو بابا.
الخوف الحقيقي ليس في سهولة الوصول للمعلومة، بل في سهولة الاستغناء عن الحوار.
أن يكبر الطفل وهو معتاد أن كل شيء متاح بضغطة زر، فيبتعد تدريجيًا عن فكرة السؤال، والنقاش، والاختلاف، وحتى الفضفضة.
وفي ظل سيل الإغراءات الذي تفرضه السوشيال ميديا، يصبح التقليد أيسر من التفكير، يفعل الطفل ما يفعله الآخرون فقط لأن “الكل بيعمل كده”، دون وعي أو قناعة، ودون أن يمتلك أدوات التمييز بين الصح والخطأ، أو المناسب وغير المناسب.
وهنا يشعر الأهل بعجز خفي:
كيف نربي طفلًا في عالم مفتوح بلا رقابة حقيقية؟
وكيف نزرع قيماً ثابتة في بيئة متغيرة وسريعة؟
أما التحدي الأصعب، فهو التوازن.
التوازن بين العمل وتربية الأبناء، بين بناء المستقبل المهني والحضور الحقيقي في حياة الطفل.
فالذكاء الاصطناعي لا ينام، والسوشيال ميديا لا تنتظر، بينما الوقت المتاح للأهل يضيق، والضغط يزيد، والشعور بالذنب يتسلل في صمت.
التربية في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد معركة سيطرة، بل محاولة دائمة للفهم والاحتواء.
لم يعد المطلوب أن نمنع التكنولوجيا، بل أن نُعلّم أبناءنا كيف يستخدمونها دون أن تبتلعهم.
أن نكون نحن الملاذ الأول للسؤال، قبل أي شاشة، وأن نُقنعهم – لا أن نُجبرهم – بأن الحديث مع الأهل لا يقل سهولة عن البحث في الهاتف.
ربما لا نملك إيقاف هذا العصر، لكننا نملك أن نربي أبناءنا ليعبروا داخله بوعي، لا بتقليد أعمى، وبإنسانية لا تمحوها الخوارزميات.



-3.jpg)

